تشهد صناعة السيارات فى العالم تباطؤا شديدا هذا العام، متأثرة بالأزمات المتلاحقة التى ضربت الإقتصاد العالمى منذ يونيو 2007 بدءا من أزمة الرهون العقارية عالية المخاطر "سابرايم" بالولايات المتحدة، والتى أدت بدورها إلى أزمة مالية عالمية عانت منها كبريات البنوك، مرورا بإرتفاع أسعار المواد الأولية وإرتفاع معدلات التضخم فى جميع أنحاء العالم وصولا إلى الإرتفاع الجنونى فى سعر برميل النفط فى الوقت الذى تزداد فيه المخاوف من حدوث ركود فى الإقتصاد الأمريكى.

detroit_3_thumbفقد شهد سوق السيارات بالولايات المتحدة، أهم أسواق السيارات فى العالم، تراجعا شديدا خلال شهر يوليو الماضى، حيث سجلت مبيعات السيارات 3ر1 مليون سيارة بإنخفاض نسبته 20 فى المائة مقارنة بشهر يوليو 2007، وسجلت مبيعات السيارات السنوية فى الولايات المتحدة حوالى 12 مليون سيارة وهو أقل معدل منذ ابريل 1992.

واظهرت البيانات الصادرة عن الشركات الأمريكية لصناعة السيارات إنخفاض مبيعات سيارات الدفع الرباعى والشاحنات الصغيرة (بيك اب)، التى تتسم بالشراهة فى إستهلاك الوقود، بنسبة 7ر31 فى المائة خلال شهر يوليو الماضى، فيما انخفضت مبيعات الأنواع الأخرى بنسبة 5ر13 فى المائة، وذلك بسبب إرتفاع أسعار الوقود.

وأوضحت هذه البيانات أن عمالقة صناعة السيارات فى الولايات المتحدة "جنرال موتورز" و"فورد" و"كرايسلر"، الذين يطلق عليهم "عمالقة ديترويت الثلاثة"، يمرون بظروف شديدة الصعوبة، حيث أعلنت مجموعة "جنرال موتورز"، الصانع الأمريكى الأول للسيارات والثانى عالميا، إنخفاض مبيعاتها بنسبة 7ر26 فى المائة خلال شهر يوليو الماضى، فيما هبطت مبيعات "فورد" بنسبة 22 فى المائة و"كرايسلر" بنسبة 29 فى المائة.

وأشارت "جنرال موتورز" إلى أنها منيت بخسائر بلغت 5ر15 مليار دولار، أى ما يوازى 11 مليار يورو، خلال الربع الثانى من العام الجارى، فيما وصلت خسائر "فورد" خلال نفس الفترة إلى 7ر8 مليار دولار (6 مليار يورو).

ويرى المحللون الإقتصاديون أن هذا العام الجارى يعد الأسوأ لصناعة السيارات الأمريكية خلال السنوات العشر الماضية، مشيرين إلى أن الأمور قد تزداد سوءا خلال الفترة القادمة.

ففى الأسابيع القليلة الماضية، قررت "جنرال موتورز" و"فورد" و"كرايسلر" وقف كل عروض "التأجير بهدف التملك" التى قدمتها، والتى تعتمد على فكرة تأجير السيارة للشخص مع إمكانية تملكه لها فى حال إستكماله لقيمة السيارة، علما بأن هذه العروض تعد هامة جدا لتسويق مبيعات السيارات فى الولايات المتحدة حيث أن 20 فى المائة من مبيعات السيارات فى السوق الأمريكية تتم عن طريق هذه العروض.

واتخذت الشركات الثلاث هذا القرار بعدما تعرضت الفروع التمويلية التابعة لها لخسائر كبيرة نتيجة لعجز مستأجرى السيارات عن الإستمرار فى الدفع، وهو ما حدا بهذه betroitالشركات إلى وضع خطط لإعادة الهيكلة، خاصة فى مجال سيارات الدفع الرباعى والبيك اب.

فمن ناحيتها قررت "جنرال موتورز" إغلاق أربعة مصانع لإنتاج السيارات الأكثر إستهلاكا للوقود وبيع بعض من الأصول التى تمتلكها، بالإضافة إلى خفض نفقات الأجور بنسبة 20 فى المائة.

أما شركة "فورد" فقررت خفض العمالة لديها بنسبة 15 فى المائة، فيما قررت "كرايسلر" إلغاء الف وظيفة بالإضافة إلى 2400 وظيفة كانت الشركة قد قررت إلغائها فى شهر يونيو الماضى.

وبحثا عن مخرج من المأزق الذى تواجهه صناعة السيارات الأمريكية، تحاول الشركات الثلاث عقد تحالفات مع صانعى سيارات من خارج الولايات المتحدة.

وفى هذا الإطار تتفاوض "كرايسلر" مع شركة "تاتا موتورز" الهندية حول إمكانية بيع سيارات الشركة الأمريكية من طراز "جيب" فى الهند، كما تدرس مع شركة "فيات" الإيطالية إمكانية قيام الأخيرة بإستئجار بعض خطوط الإنتاج التابعة "لكرايسلر" فى أمريكا الشمالية.

أما فى اليابان، فإن صانعى السيارات كانوا أقل تأثرا بالأزمة التى تشهدها صناعة السيارات عالميا بفضل السيارات الصغيرة والإقتصادية فى إستهلاك الوقود، فشركة تويوتا، الصانع الأول للسيارات فى العالم، مازالت فى وضع مريح نسبيا على الرغم من أن مبيعاتها فى السوق الأمريكية شهدت تراجعا بلغ 12 فى المائة، فيما إستطاعت "هوندا" الحد من إنخفاض مبيعاتها العالمية للسيارات عند مستوى 6ر1 فى المائة، أما "نيسان"، ثالث أكبر مصنع للسيارات فى اليابان وشريك "رينو" الفرنسية، فشهدت إنخفاضا فى أرباحها الصافية بلغ new__president8ر42 فى المائة خلال الربع الأول من العام الجارى بسبب تراجع المبيعات فى السوق الأمريكية.

أما على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطى، فإن صانعى السيارات الأوروبيين يواجهون موقفا أقل حدة، حيث استطاعوا تحقيق زيادة فى الأرباح على الرغم من إرتفاع أسعار النفط وإنخفاض القدرة الشرائية وذلك بفضل إرتفاع الطلب على السيارات فى الدول الناشئة خاصة البرازيل وروسيا والهند والصين.

ففى هذا الإطار، اعلنت مجموعة "بى اس ايه بيجو ستروين" الفرنسية إرتفاع صافى أرباحها بنسبة 49 فى المائة خلال الربع الأول من العام الجارى ليصل إلى 733 مليون يورو، فيما اوضحت مجموعة "فولكسفاجن" الألمانية أن أرباحها الصافية بلغت 64ر1 مليار يورو خلال الربع الثانى من العام الجارى بإرتفاع نسبته 35 فى المائة، بينما وصلت أرباح مجموعة "فيات" الإيطالية إلى 646 مليون يورو.

وعلى الرغم من هذه النتائج الإيجابية، إلا أن صانعى السيارات الأوروبيين يعترفون بأن الشهور القادمة ستكون غاية فى الصعوبة، وهو ما حدا بمجموعة "رينو" الفرنسية لتوقع تباطؤ مبيعاتها خلال عام 2009، فى الوقت الذى اعلنت فيه عن خطة لإلغاء خمسة آلاف وظيفة فى مصانعها فى القارة الأوروبية.

ويبقى السؤال..هل تساعد الإنتخابات الأمريكية وقدوم رئيس جديد بفكر جديد إلى البيت الأبيض فى تنشيط الإقتصاد الأمريكى، ومن ثم العالمى، بما ينعكس بدوره على صناعة السيارات العالمية، خاصة وأن المرشح اليمقراطى باراك أوباما، الأوفر حظا فى الفوز بهذا المنصب، قد دعا إلى بيع 70 مليون برميل من الإحتياطى الإستراتيجى الأمريكى لمواجهة الإرتفاعات غير المسبوقة فى أسعار النفط؟!.