على الرغم من أن نتائج الإنتخابات المحلية والإقليمية، التى جرت أمس فى أسبانيا، لم تكن مفاجئة للمراقبين وجاءت متوافقة مع إستطلاعات الرأى التى جرت على مدار الشهور الخمس الماضية، إلا أن آثارها تتعدى حدود  أسبانيا.

وعلى الرغم من أن الحزب الشعبى اليمينى الحاكم فى أسبانيا فاز، فى المطلق، بالإنتخابات، وجاء منافسه، الحزب الإشتراكى، فى المركز الثانى، إلا أن الحزبين، اللذين تبادلا المواقع على مدى 40 عاكا هى عمر الديمقراطية فى أسبانيا، إلا أنهما فقدا تماما السيطرة على الحياة السياسية الأسبانية بل رجعة، فاتحة الطريق أمام القوى السياسية الشبابية التى ظهرت على الساحة الأسبانية إعتبارا من مظاهرات "الغاضبين" فى عام 2011.

وأكبر دليل على ذلك هو ما حدث فى مدريد، تلك المدينة التى ظلت تحت سيطرة حكم الحزب الشعبى منذ عام 1991، حيث فاز الحزب أمس بأغلب مقاعد البرلمان، إلا أنه وجد منافسة شرسة من حزب "بوديموس" (نستطيع) الذى تأسس قبل عام ونصف وكوادره معظمها من الشباب، حتى أن الأخير بإستطاعته تولى السلطة فى مدريد إذا تخالف مع الحزب الإشتراكى، الذى حل ثالثا.

وفى برشلونة، ثانى أكبر المدن الأسبانية، حلت قائمة "بوديموس"، الذى ينتمى لليسار، فى المركز الأول وأصبح من شبه المؤكد أنتتولى أدا كولاو، 41 عاما، حليفة بوديموس عمودية المدينة، على حساب دعاة إستقلال "إقليم كاتالونيا"، الذين كانوا، حتى شهر سبتمبر الماضى، مرشحين بقوة للفوز بالإنتخابات.

ولا يقف الأمر على النجاحات التى حققها حزب "بوديموس"، بل أن حزبا آخر، تأسس قبل ستة أشهر على يد شباب اليمين، وهو حزب "سويدادانوس"، استطاع أن يحقق نتائج مبهرة فى إنتخابات أمس، وأصبح ممثلا فى كل البرلمانات الإقليمية.

وتدل هذه النتائج على رغبة الأسبان فى وضع حد لنظام الثنائية الحزبية الذى سيطر على الحياة السياسية فى البلاد منذ رحيل الديكتاتور فرانكو، وما صاحبه من فساد مالى وسياسى وضح جليا فى الفضائح التى تفجرت خلال الشهور السابقة حول الساسة من الحزبين الكبيرين فى البلاد، وذلك بضخ دماء جديدة فى شرايين الحياة السياسية الأسبانية.

ولكن لا ينبغى رؤية هذه النتائج بمعزل عن ما يجرى فى أوروبا حاليا، فهذه الإنتخابات تأتى بعد الزلزال السياسى الذى ضرب اليونان قبل أربعة أشهر، عندما فاز حزب "سيريزا" الشاب بالإنتخابات البرلمانية اليونانية، مزيحا القوى السياسية القديمة فى اليونان ومسببا إزعاجا شديدا للقوى السياسية القديمة فى أوروبا، خاصة فيما يتعلق بالسياسات الإقتصادية التقشفية التى تنتهجها المؤسسات الأوروبية للخروج من الأزمة الإقتصادية الناجمة عن أزمة الرهون العقارية التى ضريت الإقتصاد العالمى فى 2008.

وجاءت هذه النتائج لترسخ رغبة الأوروبيين فى تغيير الوجوه التى تحكمهم منذ عقود، خاصة مع الأخذ فى الحسبان بدء ظهور أحزاب شابة فى بلدان أخرى فى أوروبا، كالبرتغال، تسعى لتكرار تجربة الأحزاب الشابة فى اليونان  وأسبانيا وتلقى قبولا فى الشارع الأوروبى.

وإذا تمكن حزب "سيريزا" فى إدارة الأمور فى اليونان نحو الأفضل، وإذا استطاع حزبا "بوديموس" و"سويدادانوس" إثبات قدراتهما فى تمثيل الشارع الأسبانى، خلال الأشهر الستة المقبلة، فإنهما سيحققان نتائج مفاجئة فى الإنتخابات البرلمانية الأسبانية المقررة فى نوفمبر المقبل، مما سيكون دافعا لبقية الأوروبيين فى تغيير الوجوه السياسية فى القارة العجوز.