يبدو أن الصراع الروسى الجورجى، الذى اندلع يوم الأربعاء الماضى بسبب اقليم اوستيا الجنوبية الإنفصالى الموالى لروسيا، سيكون له تأثير كبير مستقبلا على الإقتصاد الجورجى وقد يضع حدا لفترة من الإزدهار والنمو الإقتصادى الكبير هناك.
فبعد سنوات صعبة واجهتها البلاد منذ إستقلالها فى عام 1991 عن الإتحاد السوفيتى السابق وحتى "ثورة الورود" فى عام 2003، والتى ادت إلى إستقالة الرئيس الجورجى السابق إدوارد شيفرنادزه واتت بالرئيس الحالى ميخائيل ساكاشفيلى، عاش الإقتصاد الجورجى فترة إنطلاقة كانت مثار إعجاب المؤسسات المالية الدولية، خاصة البنك الدولى.photo_1218746667755_2_0
فبفضل سياسات الإصلاح التى انتهجتها جورجيا منذ عام 2003، أصبحت البلاد أحد أفضل الإقتصاديات ديناميكية فى منطقة الإتحاد السوفيتى السابق ووصل معدل النمو الإقتصادى إلى 10 فى المائة خلال عامى 2006 و2007، ويتوقع أن يصل هذا المعدل إلى 8 فى المائة خلال العام الجارى على الرغم من الأزمات الشديدة التى يواجهها الإقتصاد العالمى وإضطراب الأسواق.
وبالرغم من أن الإقتصاد الجورجى يعتمد على الزراعة، التى تمثل 30 فى المائة من إجمالى الناتج المحلى الإجمالى، إلا أن قطاعى الإنشاء والإتصالات يشهدان طفرة كبيرة، فضلا عن موقع جورجيا المتميز بين بحر قزوين والبحر الأسود وهو ما يجعل من هذا البلد ممرا إستراتيجيا للغاز والنفط المستخرج من منطقة آسيا الوسطى بعيدا عن ايران، الغنية بالنفط، وروسيا التى تحتكر معظم إمدادات الطاقة فى هذه المنطقة.
وقد راهنت شركات النفط الغربية على هذه الدولة لتنمية صادرات النفط والغاز المستخرجة من اذربيجان على ضفاف بحر قزوين، حيث قامت عشر مجموعات نفطية غربية على رأسها "بريتيش بتروليوم" البريطانية (بى بى)، بإنشاء وإدارة خط أنابيب النفط "باكو-تبليسى-جيهان"، والمعروف إختصارا باسم "بى تى جى" وبلغت تكاليف بنائه أرقاما فلكية وصلت إلى ثلاثة مليارات دولار، لنقل 2ر1 مليون برميل نفط يوميا.
كما قامت "بى بى" بتحديث خط انابيب "باكو-سوبسا"، الذى يعود إلى العهد السوفيتى ويصب على الساحل الجورجى المطل على البحر الأسود، بالإضافة لتشغيل خط باكو-تبليسى-ارض روم الذى يبلغ طوله 692 كلم وينقل حوالى 8 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا من حقل "شاه دنيز" البحرى الأذربيجانى عبر جورجيا حتى حدودها مع تركيا، وهو ما يؤمن لجورجيا دخلا لا يمكن تجاهله بالإضافة إلى تقليل إعتمادها فى مجال الطاقة على النفط والغاز الروسيين.
ويلاحظ أن العلاقات الروسية الجورجية بدأت فى التأزم منذ وصول ساكاشفيلى للسلطة، حيث أن الأخير عمل على تشجيع التقارب بين تبليسى من جانب وواشنطن واوروبا من جانب آخر، بالإضافة إلى محاولاته الإنضمام إلى حلف شمال الأطلنطى وهو الأمر الذى لا ترتاح له موسكو، التى اوقفت الرحلات الجوية والبرية والبحرية بين البلدين فى عام 2006، بالإضافة لوقف الحوالات البريدية لجورجيا وحظر إستيراد العديد من المنتجات الجورجية.
وعلى الرغم من أن جورجيا استطاعت التغلب على العقوبات الروسية، إلا أن المعارك التى اندلعت نهاية الأسبوع الماضى تهدد الإقتصاد الجورجى فى ظل إرتفاع معدل التضخم الذى يصل إلى 8 فى المائة على أساس سنوى، وإرتفاع معدل الإنفاق الحكومى وزيادة نسبة الفساد، فيما يمثل الفقراء الأغلبية العظمى من الشعب الجورجى، حيث خفضت مؤسسة "ستاندارد اند بورز" تقديراتها الخاصة بجدوى الإستثمار فى جورجيا منذ يوم الجمعة الماضى.200711091922_zoom
ويرى تريفور كولينان، المحلل فى "ستاندارد اند بورز" أن مخاطر الصراع بين جورجيا وروسيا على الإقتصاد الجورجى تتمثل فى إثارة مخاوف المستثمرين الذين لعبوا الدور الأكبر فى الأداء الإقتصادى القوى للبلاد، مشيرا إلى أن أحد العوامل التى ادت لتخفيض تقديرات المؤسسة لجدوى الإستثمار فى جورجيا يعود إلى إرتفاع معدل الإنفاق العسكرى عن التوقعات وهو ما سيؤثر بالتالى على تحقيق الأهداف التى وضعتها الحكومة لضبط ميزانيتها.
من جهتها، ترى ايزابيل فاكون، الباحثة فى مؤسسة "فوند" للأبحاث الإستراتيجية أن الموقع الإستراتيجى لجورجيا كنقطة مرور لنقل نفط اسيا الوسطى يمكن أن يفقد أهميته بسبب هذا الصراع، مشيرة إلى أن روسيا قد تتخذ من الأزمة الحالية فرصة لإثبات أن هذه المنطقة ليست آمنة لإنشاء خطوط أنابيب فى المستقبل.
وتستشهد فاكون بقيام الطيران الروسى بضرب ميناء بولى، أهم موانىء جورجيا والذى يطل على البحر الأسود دون أن يصيبه بأضرار بالغة، بالإضافة إلى إعلان رئيس وزراء جورجيا لادو جورجنيدزيه يوم السبت الماضى أن الطيران الروسى قصف مناطق قريبة من خط أنابيب "باكو-تبليسى-جيهان" الذى لم يصب باضرار.
وبالفعل بدأ الصراع بين موسكو وتبليسى يؤثر على نقل النفط عبر جورجيا، حيث اعلنت شركة "بريتيش بتروليوم" اليوم عن تعليق عمل خط أنابيب "باكو-سوبسا" بشكل مؤقت كإجراء إحترازى بسبب مخاوف أمنية متعلقة بالصراع بين روسيا وجورجيا، مشيرة إلى أنه سيتم إعادة العمل فى هذا الخط حينما يتم التأكد من عدم وجود مخاطر تحول دون عمله بأمان تام.
وكانت اذربيجان قد اعلنت يوم السبت الماضى تعليق صادراتها النفطية عبر مينائى كوليفى وباتومى الجورجيين المطلين على البحر الأسود بسبب النزاع.
إلا أن ناتاليا ليشنكو، المحللة الإقتصادية لدى مؤسسة "جلوبال انسايت"، لا تتوقع أن يسبب النزاع بين روسيا وجورجيا أى ضرر لخطوط النفط والغاز، معتبرة أن مهمة القوات الروسية تقوم حاليا على ضمان السيطرة على اوستيا الجنوبية.
وتعتقد ليشنكو أن خطوط النفط والغاز لن تتعرض للخطر إلا إذا حدث تصعيد وقررت روسيا فرض حصار إقتصادى شامل على جورجيا.
من جانبه، يرى مايكل دينيسون، المحلل لدى "شاتام هاوس"، أن هذا الإحتمال ضعيف، موضحا أنه سيكون من التطرف أن تحاول روسيا السيطرة على خطوط النفط والغاز حيث أن حلف شمال الأطلنطى سيعتبر ذلك تهديدا فعليا لأمنه، وهو الأمر الذى سيتطلب ردا عسكريا.
وعلى الرغم من ذلك يتفق المحللون على أن المعارك فى جورجيا ستدفع المستثمرين، على المدى البعيد، إلى الإحجام عن الإستثمار فى حقول النفط والغاز فى بحر قزوين والتى كانت إلى وقت قريب تعتبر بدائل للنفط والغاز القادمين من الشرق الأوسط وروسيا.
غير أنه لن يكون الإقتصاد الجورجى هو الخاسر الوحيد فى هذا الصراع، فروسيا ايضا تخاطر بتشويه صورتها أمام المستثمرين الأجانب، علما بأن هناك العديد من الإنتقادات الموجة لموسكو بسبب قوانين الإستثمار التى تطبقها، خاصة فى مجال النفط، بالإضافة إلى مخاطرة موسكو بمستقبل علاقاتها الإقتصادية مع الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبى، التى ستتأثر دون أدنى شك فى حالة إستمرار النزاع على الرغم من إمتلاك روسيا لمخزون هائل من الطاقة يحتاجه الإتحاد الأوروبى والولايات المتحدة.
فهل يكون قرار الرئيس الروسى ديميترى ميدفيديف بوقف العمليات العسكرية لقواته فى جورجيا باب أمل لإستقرار إقتصاد الدولتين، هذا هو ما ستكشفه الأشهر القليلة المقبلة