فى الوقت الذى بدأت أسعار النفط فى الإنخفاض فى الأسواق العالمية وبعد أن فقد برميل النفط حوالى 30 دولارا من سعره خلال أسبوعين، جاء إندلاع الصراع الروسى الجورجى حول إقليم أوستيا الجنوبية الجورجى الإنفصالى والموالى لموسكو يوم الأربعاء الماضى ليثير مخاوف الدول الغربية حيال إمدادات الطاقة ويشعل من جديد أسعار النفط فى الأسواق العالمية.

وتضعف المعارك العنيفة التى تدور حاليا فى منطقة القوقاز موقع جورجيا كمعبر حيوى لنقل نفط بحر قزوين إلى الغرب، خاصة وأن الدول الغربية تبدى قلقا بشأن سلامة خط أنابيب النفط "باكو-تبليسى-جيهان"، والمعروف إختصارا باسم "بى تى جى" وبلغت تكاليف بنائه أرقاما فلكية وصلت إلى ثلاثة مليارات دولار، لا سيما بعدما اعلن رئيس وزراء جورجيا لادو جورجنيدزيه أن الطيران الروسى قصف يوم السبت الماضى مناطق قريبة من خط الأنابيب الذى لم يصب باضرgisementار.

فبالرغم من أن جورجيا ليست دولة منتجة للنفط أو الغاز، إلا أن شركات النفط الغربية راهنت على هذه الدولة لتنمية صادرات النفط والغاز المستخرجة من اذربيجان على ضفاف بحر قزوين، خاصة وأن تبليسى، الموالية للغرب والمجاورة لاذربيجان، تحتل موقعا إستراتيجيا بين إيران الغنية بالنفط وخطوط أنابيب الغاز والنفط التى تحتكرها روسيا.

ومنذ وصول الرئيس الجورجى ميخائيل ساكاشفيلى إلى السلطة فى عام 2004 وتشجيعه التقارب بين تبليسى من جانب وواشنطن واوروبا من جانب آخر، تم تشغيل خطى أنابيب للنفط، إلا أن النزاع مع روسيا من شأنه تهديد دور معبر النفط الذى تلعبه جورجيا، وهو ما بدأ فى الظهور مع إعلان اذربيجان، يوم السبت الماضى، تعليق صادراتها النفطية عبر مينائى كوليفى وباتومى الجورجيين المطلين على البحر الأسود بسبب النزاع.

وبدأ تشغيل خط "بى تى جى"، البالغ طوله 1774 كلم، فى عام 2006 لنقل النفط من حقول اذربيجان على بحر قزوين إلى ميناء جيهان التركى المطل على البحر المتوسط بطاقة 2ر1 مليون برميل يوميا، وتمتلك شركة "بريتش بتروليوم" البريطانية (بى بى)، التى تقوم بتشغيل الخط، 30% من إستثماراته، فيما يمتلك عشرة شركاء آخرين، بينهم مجموعتا "شيفرون" و"كونوكوفيليبس" النفطيتين الأمريكيتين، النسبة الباقية.

وتقوم بريتش بتروليوم كذلك بتشغيل خط انابيب "باكو-سوبسا"، الذى يعود إلى العهد السوفيتى وتم تحديثه ويصب على الساحل الجورجى المطل على البحر الأسود، بالإضافة إلى خط لنقل الغاز تم بنائه حديثا جنوب القوقاز وهو خط باكو-تبليسى-ارض روم الذى يبلغ طوله 692 كلم وينقل حوالى 8 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا من حقل "شاه دنيز" البحرى الأذربيجانى عبر جورجيا حتى حدودها مع تركيا.

وعلى الرغم من عودة أسعار النفط إلى الإرتفاع من جديد اليوم فى الأسواق العالمية بأكثر من دولار للبرميل، يرى بول ستيفنس، المحلل فى معهد "شاتام هاوس" بلندن والمتخصص فى أسواق النفط، أن مصير خط باكو-تبليسى-جيهان، لا ينبغى أن يؤثر على أسواق النفط بصورة فورية، مشيرا إلى أن نقل النفط كان متوقفا منذ يوم الأربعاء الماضى إثر حريق نجم عن إنفجار فى تركيا.

واضاف ستيفنس أنه حتى وإن بقى الخط مغلقا لأسبوع أو أسبوعين فالأرجح أن يكون تأثيره محدودا على عرض النفط فى السوق العالمية.

من جانبها، لا تتوقع ناتاليا ليشنكو، المحللة الإقتصادية لدى مؤسسة "جلوبال انسايت"، أن يسبب النزاع بين روسيا وجورجيا أى ضرر لخطوط النفط والغاز.

وتعتبر ليشنكو أن مهمة القوات الروسية تقوم حاليا على ضمان السيطرة على اوستيا الجنوبية، مشيرة إلى أن خطوط النفط والغاز لن تتعرض للخطر إلا إذا حدث تصعيد وقررت روسيا فرض حصار إقتصادى شامل على جورجياpipeline.

إلا أن مايكل دينيسون، المحلل لدى "شاتام هاوس"، يرى أن هذا الإحتمال ضعيف، موضحا أنه سيكون من التطرف أن تحاول روسيا السيطرة على خطوط النفط والغاز حيث أن حلف شمال الأطلنطى سيعتبر ذلك تهديدا فعليا لأمنه، وهو الأمر الذى يتطلب ردا عسكريا.

وعلى الرغم من ذلك يتفق المحللون على أن المعارك فى جورجيا ستدفع المستثمرين، على المدى البعيد، إلى الإحجام عن الإستثمار فى حقول النفط والغاز فى بحر قزوين والتى كانت إلى وقت قريب تعتبر بدائل للنفط والغاز القادمين من الشرق الأوسط وروسيا.

والسؤال ...هل تنجح الوساطة الأوروبية، التى بدأت اليوم الإثنين عن طريق وزير الخارجية الفرنسى برنار كوشنير، فى حل الأزمة بين موسكو وتبليسى، أم ستشتعل أسعار النفط من جديد وتتزايد الضغوط التضخمية التى تؤثر على جميع الدول، فى الوقت الذى لم يتعافى فيه بعد الإقتصاد العالمى من الضربات المتتالية التى لحقت به على مدار عام؟!