على الرغم من مرور خمس سنوات على الغزو الأمريكى للعراق والإطاحة بنظام صدام حسين ورغم إدعاءات الرئيس الأمريكى جورج بوش بأن العالم أصبح أكثر أمنا بعد الإطاحة بصدام، إلا أن بلاد الرافدين مازالت بعيدة كل البعد عن السلام والديمقراطية.

فالعديد من العراقيين يرون أن الولايات المتحدة لم تستطع الإنتصار فى حربها ضد الإرهاب وترسيخ الديمقراطية فى العالم، وفى هذا الإطار نقلت قناة "فرنسا 24" الإخبارية عن أبو فارس الدراجى، بائع تبغ ببغداد، قوله تعليقا على الذكرى الخامسة لغزو العراق، إن بوش يتكلم عن الإنتصار، إلا أنه يرى أن بوش لم ينجح إلا فى شىء واحد ألا وهو تدمير العراق.

واضاف الدراجى أن الصراعات الطائفية والدينية التى تشهدها بلاده منذ بداية الغزو أطفأت ما وصفه ببهجة الإطاحة بنظام صدام، معربا عن إعتقاده بأن الولايات المتحدة هى Irak5المستفيد الوحيد من إشعال أتون الحرب فى العراق.

ويقول الدراجى إن الأمريكيين يمثلون إمتدادا لنظام صدام، فهم من يتخذون القرارات الخاصة بالعراق ولا تمتلك الحكومة العراقية أى شكل من أشكال السيادة، مشيرا إلى أن الأمريكيين حققوا إنتصارا لأنفسهم ببسط نفوذهم بالمنطقة وسيطرتهم على العراق التى تمثل لهم مكانا استراتيجيا لإحتواء الخطر الإيرانى.

ويؤكد الدراجى أن الأمريكيين لا يدافعون إلا عن مصالحهم وليس مصالح الشعب العراقى، بل على العكس أتوا إلى العراق ومعهم أشياء لم يسمع بها العراقيون من قبل كالإرهاب والقتلة.

من جانبها ترى نسرين محمد، مدرسة فى حى زيونة الراقى الواقع بوسط بغداد، أن الإنتصار الذى تحدث عنه بوش هو إنتصار عسكرى تمخض عن الإطاحة بصدام حسين، مشيرة إلى أن ذلك يمثل تحقيقا للمصالح الأمريكية البحتة.

وتضيف نسرين أن بوش لا يعلم حتى الآن مدى فشل جنوده فى إعادة الإعمار، مشيرة إلى أن هذا الفشل ادى إلى خسائر مادية وبشرية كبيره بالنسبة للأمريكيين.

من جهته، يقول طارق المعمورى رئيس تحرير جريدة "البلاد اليوم" السياسية المستقلة إن الإنتصار يقاس بعدد الأهداف التى أعلنت عنها الولايات المتحدة عند بدء الحرب وكم منها تم تحقيقها.

ويضيف المعمورى أن من الأهداف التى أعلنها الأمريكيون القضاء على نظام صدام حسين لإمتلاكه أسلحة الدمار الشامل وعلاقته بالتنظيمات الإرهابية، إلا أن الأمريكيين لم يستطيعوا حتى الآن إثبات أى من هذه الإدعاءات.

ويذكر المعمورى بأن الهدف الثانى للغزو الأمريكى للعراق كان نشر الديموقراطية، مشيرا إلى أن هذا الأمر تحقق من الناحية النظرية من خلال الإنتخابات والدستور وحرية الصحافة، ولكن من الناحية الفعلية لم يتحقق لأن الدولة لا تزال ضعيفة وعاجزة عن تحقيق الأمن وتوفير المناخ الحر المناسب لممارسة العملية الديموقراطية.

ويوضح المعمورى أن مفهوم الإنتصار لا يعنى أن هناك رابحا وخاسرا، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة خلصت العراقيين من نظام صدام الذى إذا كان قد بقى لكانت النتائج كارثية على المنطقة أجمع.

إلا أنه يؤكد أن العراقيين لا يزال أمامهم معركة كبيرة يجب أن ينتصروا فيها وهى معركة القضاء على المليشيات وتشكيل قوى عسكرية يكون ولاؤها للدولة وليس لجهة معينة، ومعركة القضاء على الفساد الإدارى تمهيدا لبناء دولة حقيقة.

وتبدى النخب العراقية تذمرا حيال الأوضاع العامة فى البلاد فى وقت يتهم فيه كثيرون الحكومة الحالية، التى يهمين عليها الشيعة برئاسة نورى المالكى بالمحسوبية والفساد.

وتدل الجلسات الصاخبة لمجلس النواب العراقى على حجم الهوة بين مختلف الفئات، وليس بين الطوائف والقوميات فقط وإنما داخل كل طائفة أيضا خاصة عند مناقشة مشاريع قوانين حيوية مثل النفط والغاز وغيره.

ويعرب المعمورى عن أسفه إزاء عدم تحقيق الكثير فى مجال المصالحة الوطنية والتوافق والفساد الإدارى، الذى يصب مباشرة فى خانة تمويل الإرهاب على حد قوله.Irak1

ويقول المعمورى إن العراقيين اقتنعوا بأن إحتضان القاعدة خطر للغاية وأعمالها كانت سببا كافيا لنبذها ليس فى العراق فقط وإنما فى بلدان عربية توفر لها ملاذا ودعما.

وامتد تأثير الغزو الأمريكى للعراق وماترتب عليه من أوضاع ليصل إلى رغبة العراقيين أنفسهم فى البقاء فى بلادهم، فلقد أعلنت المفوضية العليا لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أنه بالرغم من مرور خمس سنوات على الغزو الأمريكى للعراق لا يزال العراقيون يفرون من بلدهم مطالبين بحق اللجوء فى الدول الصناعية.

واوضحت المفوضية فى تقرير لها أن العراق ظل، للسنة الثانية على التوالى، الدولة الأولى على مستوى العالم من حيث عدد طالبى اللجوء فى الدول الصناعية، مشيرة إلى أن عدد العراقيين طالبى اللجوء زاد فى عام 2007 بمعدل 10 فى المائة ليصل إلى 45 الف ومائتى شخص فى عام 2007 من مجموع 338 الف شخص حول العالم طلبوا اللجوء للدول الصناعية.

واضافت المفوضية أن مليونى عراقى فروا إلى الأردن وسوريا، غير المنصفتين فى عداد الدول الصناعية، فى أكبر هجرة جماعية منذ إنفصال الهند وباكستان فى عام 1947، مشيرة إلى أن الخدمات الإجتماعية والصحية فى هاتين الدولتين أصبحت عاجزة أمام هذا التدفق العراقى.

واوضحت المفوضية أن هناك حوالى 5ر2 مليون عراقى آخرين اضطروا للنزوح داخل بلدهم، مجددة دعوتها لجمع 261 مليون دولار للنازحين واللاجئين العراقيين بسبب الحرب.

ومن جانبها، قدرت منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العراقية عدد ضحايا الحرب من العراقيين بحوالى 2ر1 مليون شخص، منهم 151 الفا قتلوا فى السنوات الثلاث الأولى من الحرب.

واضافت المنظمة أن هذه الأرقام لا تضم من قضوا بسبب إنهيار الخدمات الصحية وتدهور مستوى المعيشة.

وعلى الصعيد الإقتصادى، فإن العراقيين يعانون أشد المعاناة حيث لا تتوافر فرص العمل إلا فى قطاعات شديدة الخطورة مثل الإلتحاق بالجيش والشرطة العراقية أو العمل بالترجمة لدى القوات الأمريكية والشركات الأجنبية العاملة بالعراق، وهى أعمال تجعل من يعمل بها هدفا للجماعات المسلحة بإعتبار أنه يتعاون مع المحتل.

وتقول منظمة "اوكسفام" الخيرية البريطانية غير الحكومية إن قاطنى بغداد لا يحصلون على الكهرباء لأكثر من ست ساعات يوميا، فيما لا يحصل 70 فى المائة من العراقيين على مياه نظيفة للشرب.

واوضحت "اوكسفام"، فى تقرير لها، أن 43 فى المائة من العراقيين يعيشون على أقل من دولار يوميا.refugies

وفى هذا الإطار، توضح منظمة الصجة العالمية أن معدل سوء التغذية لدى الأطفال وصل إلى 28 فى المائة فى عام 2007 مقابل 19 فى المائة فى الفترة من 1999 إلى 2003 عندما كانت العراق ترذخ تحت وطأة الحظر الدولى.

وعلى الصعيد السياسى، يقول راديو فرنسا الدولى، فى تقرير له حول الذكرى الخامسة للحرب على العراق، إن الوضع يزداد سوءا منذ استبعاد السنة من السلطة والإدارة فى البلاد، ففى الوقت الذى يحاول فيه الأمريكيون إدماجهم مجددا فى الحياة السياسية إلا أن الشيعة، الذين يسيطرون على الحكم، لا يرون أى مدعاه للعجلة فى هذا الأمر.

ويبدو أن الموقف فى العراق لن يشهد تحسنا فى الشهور المقبلة حيث أن الإدارة الأمريكية منهمكة فى إيجاد الحلول للأزمات التى تعصف بالإقتصاد الأمريكى كأزمة الرهن العقارى وإرتفاع أسعار النفط وإنخفاض سعر صرف الدولار فى الوقت الذى وصل حجم ما أنفقته هذه الإدارة على الحرب فى العراق أكثر من 522 مليار دولار فيما بلغ العجز فى الميزانية الأمريكية 244 مليار دولار فى عام 2007.

ومن المؤكد أنه يجب الإنتظار حتى الإنتخابات الرئاسية الأمريكية التى ستجرى فى نوفمبر القادم لمعرفة ما إذا كان الجمهوريون سيبقون فى الحكم أم سيأتى الديمقراطيون إلى السلطة فيحاولوا إصلاح ما افسدته الإدارة الأمريكية الحالية سواء على المستوى الداخلى أو المستوى الخارجى ولاسيما بالتورط فى مستنقع العراق