يمثل ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية فى السوق العالمية، بشكل غير مسبوق، ظاهرة عالمية ترجع إلى تزايد القدرة الشرائية فى الدول الناشئة مثل الصين وتطور الأبحاث حول الطاقة النظيفة، فيما تمثل المضاربة فى المواد الأولية جزءا من المشكلة.

ويوضح مؤشر منظمة الأمم المتحدة للاغذية والزراعة "فاو"، الذى يحدد إرتفاع أسعار المواد الغذائية فى العالم، المشكلة حيث ارتفع المؤشر بنسبة تصل إلى 40 فى المائة biocarburantخلال العام الماضى.

وفى مقدمة المواد الغذائية التى ارتفع سعرها، يأتى القمح الذى سجل ارتفاعا فى السعر بنسبة 2ر2 فى المائة يوم أمس الإثنين فقط بعدما اعلنت وزارة الزراعة الأمريكية أن المخزونات من القمح الأمريكى (القمح الأحمر الربيعى الخشن) المستخدم فى صناعة الخبز والمخبوزات ستنخفض بنسبة 25 فى المائة هذا العام مقارنة بالعام المنتهى فى 31 مايو الماضى، فيما كان معهد الإحصاء الكندى قد أعلن هذا الأسبوع أن مخزونات القمح الكندى قد تراجعت بنسبة 30 فى المائة مقارنة بالعام الماضى.

ويوضح تييرى لوفرانسوا، المحلل لدى مؤسسة ناتيكسيس والمتخصص فى شئون المواد الأولية، أن سعر القمح ارتفع فى الأسواق العالمية منذ يناير 2006 بنسبة 287 فى المائة، بينما ارتفعت أسعار الذرة بنسبة 149 فى المائة والصويا (129%) والأرز (60%) والبن (139%) وعصير الفاكهة (23%).

وفى هذا الإطار يقول كريس لوبولى، الخبير الإستراتيجى فى شئون التضخم لدى مجموعة "يو بى اس" المصرفية السويسرية، إن هذه الظاهرة بدأت منذ عامين وتسارعت وتيرتها خلال عام 2007.

ويقول الخبراء إن التفسير الأساسى لهذه الظاهرة هو التغيرات فى نمط المعيشة فى الدول الناشئة مثل الصين التى تعتمد نظاما غذائيا يستند أكثر إلى اللحوم وهو ما يتطلب تربية المزيد من الماشية وبالتالى يزداد الطلب على الذرة والقمح والصويا كأعلاف وهو ما يؤدى إلى زيادة المساحات المنزرعة بهذه المحاصيل.

ويرى الخبراء أن التغيرات المناخية التى شهدها العالم خلال السنتين أو الثلاث الماضية كان لها أثر كبير على نقص المعروض من هذه المحاصيل، خاصة الجفاف والإنتاج السىء من القمح فى استراليا.

وأشار لوفرانسوا الى أن "السياسة الزراعية المشتركة" التى ينتهجها الإتحاد الأوروبى ادت إلى خفض المساحات المزروعة حيث راهنت السلطات الأوروبية على إنخفاض الطلب، وهو ما اعتبره المحلل سوء تقدير من جانب الإتحاد.

ويقول الخبراء إن أحد الأسباب لإرتفاع أسعار المواد الأولية هو التوجة القوى فى أوروبا والولايات المتحدة نحو الطاقة النظيفة، حيث تعمل هذه الدول على إنتاج الوقود الحيوى من الحبوب والزيوت مما يضغط على الأسعار نتيجة لإرتفاع الطلب عليها، حيث أصبح هذا التوجه منافسا للاستهلاك الغذائى لهذه المحاصيل.

ووفقا لخبراء الإقتصاد، فإن مخاطر حدوث إنكماش إقتصادى عالمى بسبب أزمة الرهونات العقارية عالية المخاطر "سابرايم" التى ضربت القطاع المصرفى فى الصيف الماضى، ساهمت فى المشكلة، حيث تشكل المواد الأولية، بما فيها المحاصيل الغذائية، عملة إستثمار وملاذا للمستثمرين فى فترات التشكك الإقتصادى.

ويقول لوبولى إن الإتجاه التصاعدى لأسعار المحاصيل يطرح "مشكلة هيكلية" يمكن أن تستمر، ويشاركة الرأى فى ذلك لوفرانسوا الذى يرى أنه لكى تنخفض الأسعار يجب biocarbu08زيادة المساحات الزراعية، إلا أن ذلك من الصعب تحقيقه حيث لا يمكن أن يتجاوز إستخدام الأراضى بين فترة الحصاد وزراعة المحصول الجديد (فترة الراحة وإعداد الأرض للمحصول الجديد)، أو أن يعتمد الناس مجددا نظاما غذائيا تقليديا يقوم على إستهلاك الأرز.

ويرى بعض الخبراء أن تحقيق هذين الحلين يبدو أمرا غير مرجح طالما استمرت الدول الناشئة فى تحقيق معدلات نمو إقتصادى عالية، مشيرين إلى أن الناتج المحلى الإجمالى فى الصين سجل إرتفاعا نسبته 11 فى المائة خلال العام الماضى.

وكان البنك الإفريقى للتنمية قد اوضح فى دراسة أعدها آواخر العام الماضى أنه على الرغم من كون افريقيا المصدر الرئيسى لمعظم المواد الأولية فى العالم، إلا أن الإقتصادات الإفريقية باتت مهددة بسبب إرتفاع اسعار هذه المواد، حيث أصبحت تشكل عبئا على المستهلكين فى القارة السمراء التى تتسم بإرتفاع مستوى الفقر فيها.

وأشارت منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية فى تقرير لها حول الآفاق الإقتصادية فى أفريقيا إلى أن تطوير إنتاج مصادر جديدة كبديل للنفط، مثل الطاقة الحيوية التى يتم إنتاجها من الحبوب، يزيد من أزمة بعض الدول النامية، حيث يشكل ذلك ضغطا على أسعار المواد الغذائية وبالتالى إرتفاعها، ويهدد بحدوث مجاعات فى المستقبل.